ابن بسام

216

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والأيدي إليك مشيرة ؛ ويا عجبا منك كيف لم تبصر بصيرتك هذا العوار وشهابها ثاقب ، ولم تعف نفسك السامية هذه الأقذار وإباؤها واجب ، شدّ ما ملكتك سورة الغرارة وأنت كهل أمين ، وهفت بلبّك هفوات الهوى وعندك عقل رصين ؛ أفي الحقّ أن أستفرغ قلبك فلا يخلو ، وأنشدك فلا تسلو : ندمت ندامة الكسعيّ لمّا * تبطّنها يباضعها سواكا رأت ما سدّ كعثبها وأودى * بغلمتها فلجّت في جفاكا فلا تذهب بلبّك طائشات * من الصّبوات واسترجع نهاكا ما لك وللتمادي في غلوائك ، والزيادة في برحائك ، نهنه قلبك ، وراجع لبّك ، واذكر خلقها وخلقها ، وتأمل وجهها وعنقها ، وانظر خدّها وقدّها ، وهل شيء مما يستملح عندها ؛ واللّه ما رأيت / شخصها قطّ إلا تخيلت الشيطان ، ولا مقلت مقلتها إلا ذكرت السّرطان . وأية ضفدعة ماء تعشّقت ، وقرنبى بها تعلّقت ، لقد وري زند من خرجت من يديه ، وتعس جدّ من صارت إليه . وفي فصل منها : فهنيئا أبا حفص راحة بصرك من شخصها المقيت ، وفراغ قلبك من الكبد بخلقها المميت ، لو غسلتها بكلّ ماء في البحر ، وطيبتها بكلّ عنبر في الشحر ، وضمّختها بملاب كلّ عطّار ، وفتتّ عليها من المسك ألف قنطار ، ما ازدادت مع الطيب [ 113 ] إلا دفرا ، ومع الغسل إلا وضرا ؛ وكأني بك قد أنشدت بيت ابن الروميّ في من لا يشبهها إلا في سواد الجلد ، ولا يشركها إلا في النسبة إلى الجدّ ، يقول [ 1 ] : أكسبها الحبّ أنها صبغت * صبغة حبّ القلوب والحدق وقال الآخر : مشبهات الشباب والمسك تفديهنّ * نفسي من الردى والكروب كيف يهوى الفتى الأديب وصال * البيض والبيض مشبهات المشيب هيهات ! هنا يقال : ظنّ [ 2 ] تخب ، واقلب تصب ، ما كلّ بيضاء شحمة ، ولا كلّ سوداء تمرة . فأمسك عنها فقد سلت عنك ، وأبرأ منها فقد برئت منك ، واستصغرت

--> [ 1 ] زهر الآداب : 230 وقد استشهد به ابن بسام من قبل في القسم الأول : 150 . [ 2 ] ص : ظنون .